فوزي آل سيف
16
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
1. إنه لا ريب أن الصحابة قد توفرت لهم فرصة مهمة ونعمة كبرى بمشاهدتهم لرسول الله وباستماعهم لحديثه ورؤيتهم لأفعاله، وهي نعمة لم تتوفر لغيرهم ممن تأخر زمانهم عن إدراك زمان رسول الله صلى الله عليه وآله، فكانت بذلك مسؤوليتهم أعظم من مسؤولية غيرهم. والحساب ينبغي أن يكون أدق عليهم، فمن الواضح الفرق بين من يسمع كلام النبي مباشرة من فمه الطاهر وبين من يراها مكتوباً على قرطاس أو يسمعه من راوٍ! ولهذا فإن مخالفة الأول لكلام النبي صلى الله عليه وآله لا ينبغي التغاضي عنها! 2. إن الصحبة للنبي صلى الله عليه وآله، ليست محلولاً كيماوياً تغير الإنسان بمجرد حصولها، وإنما توفر له الفرصة المناسبة في تغيير ذاته وتكميل أخلاقه! لكن من الممكن أن يكون صحابي متأثراً بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله ومن الممكن ألّا يكون متأثراً. فلا نعلم من أين أصبح (كل الصحابة) أفضل من (كل المؤمنين) ممن جاء بعدهم؟ وما هي ميزتهم في ذلك؟ نعم من تأثر بتوجيهات النبي صلى الله عليه وآله وأطاعه وأخذ منه، فإنه بمقدار ذلك يكون أفضل من غيره سواء معاصريه أو المتأخرين عنه! وأما من لم يتأثر أو تأثر بمقدار بسيط فلا يوجد شيء يبرر تفضيله على غيره ممن هو أكثر منه إيماناً أو أخلاقًا أو علمًا حتى لو جاء بعده بعشرة قرون! 3. إنّ صحابة النبي صلى الله عليه وآله تنطبق عليهم - كغيرهم - القوانين العامة ولا تتخلف عنهم، مثلما انطبق على أصحاب الأنبياء السابقين، وعلى سائر المؤمنين في كل أدوار التاريخ مثل قوله تعالى: (فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ. وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[57]. ولا استثناء في مثل هذا القانون لمثل الصحابة أو غيرهم! من أحسن يقال له محسن ويجزى جزاء المحسنين ويُتولى بالمحبة والمودة صحابيًّا كان أو غيره، ومن أساء يقال له أنت مسيء ويلقى جزاء المسيئين ويواجَه بالبراءة من عمله صحابيًّا كان أو غيره! 4. إنه لم يثبت بدليل واضح - بعدما رُدَّت أدلة مدرسة الخلفاء - أن الصحابة أفضل من سائر الناس، بل ربما ثبت العكس هناك أدلة تشير إلى تفضيل رسول الله صلى الله عليه وآله آخرين عليهم. حيث سمى جماعة اخوانه[58]بينما أولئك كانوا أصحابه! بل تم التصريح في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه لا ينجو من أولئك إلا مثل همل النعم[59]! ويؤكد ذلك ما حصل من وقائع تاريخية لا يمكن أن تنتهي إلى أنهم - جميعا - أفضل الناس! إن تضمن الحديث الثابت في مدرسة الخلفاء نسبة (الإحداث) و(الارتداد على أدبارهم)، و(عدم النجاة إلا القليل) يكذب نظرية أفضلية وأعدلية كل الصحابة، فإما أن يكون ذلك الحديث - بل الأحاديث - صحيحاً فتفسد النظرية، وإما أن يكون كاذبًا فهو دليلٌ على بطلان النظرية لكونه مرويًّا عن أحدهم! 5. إن الحقائق التاريخية، وهو مقتضى الوضع الاجتماعي الطبيعي، أن مجتمع الصحابة هو كسائر المجتمعات البشرية، كان فيه من أفاضل المؤمنين رجال، وكان فيه أيضاً من الفسقة، وكان فيه ما بين الدرجتين! فلا هو مجتمع شياطين بالكامل ولا هو مجتمع ملائكة!
--> 57 ) الزلزلة 7ـ 8 58 ) حنبل؛ أحمد بن: مسند أحمد مخرجا ١٥/١٦٧ " ودِدْتُ أنّا قَدْ رَأيْنا إخْوانَنا»، قالُوا: أوَلَسْنا بإخْوانَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «بَلْ أنْتُمْ أصْحابِي وإخْوانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وأنا فَرَطُهُمْ عَلى الحَوْضِ». 59 ) البخاري؛ صحيح البخاري ٨/١٢١ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «بَيْنا أنا قائِمٌ إذا زُمْرَةٌ، حَتّى إذا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيْنِي وبَيْنِهِمْ، فَقالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أيْنَ؟ قالَ: إلى النّارِ واللَّهِ، قُلْتُ: وما شَأْنُهُمْ؟ قالَ: إنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلى أدْبارِهِمْ القَهْقَرى. ثُمَّ إذا زُمْرَةٌ، حَتّى إذا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيْنِي وبَيْنِهِمْ، فَقالَ: هَلُمَّ، قُلْتُ أيْنَ؟ قالَ: إلى النّارِ واللَّهِ، قُلْتُ: ما شَأْنُهُمْ؟ قالَ: إنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلى أدْبارِهِمْ القَهْقَرى، فَلاَ أُراهُ يَخْلُصُ مِنهُمْ إلّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ» وفي مسند أحمد ١٥/١٦٧: "ألا لَيُذادَنَّ رِجالٌ عَنْ حَوْضِي كَما يُذادُ البَعِيرُ الضّالُّ، أُنادِيهِمْ: ألا هَلُمَّ، فَيُقالُ: إنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا»